"دور المنظمات غير الحكومية في الحد من ظاهرة الفقردراسة حالة

مرقص عبد المسيح عبده عين شمس الآداب الاجتماع الماجستير 2009

ملخص البحث:

تعتبر مقولة رئيس جنوب إفريقيا "" مبيكي"" التي ألقاها في خطابه بمناسبة مؤتمر الأرض والذي أقيم بالعاصمة جوهانسبرج ""أصبح العالم جزيرة أغنياء تحيط به بحار الفقراء"" وصف دقيق للحالة المزرية التي وصل إليها العالم ؛ إذ لا يوجد ما هو أسوأ من الفقر الذي اجتاح ثلثي دول العالم.(1)

 إن مشكلة الفقر والفقراء والحرمان البشرى من أهم المشكلات في العصر الحالي والمستقبلي حيث تشير الإحصاءات إلى تزايد أعداد الفقراء وانخفاض المستوى النوعي لنمط معيشتهم فى العالم خاصة فاعصر العولمة الذى ينحاز إلى جانب من يملك القوة والقدرة على التكتل في مواجهة الآخر.(2)  ومن معالم الفقر عالمياً يشير تقرير التنمية البشرية ( 1999 م – 2000م ) إلى وجود حوالى 1.2 بليون نسمة يعانون من الفقر ويعيشون على دولار واحد يومياً – وهو ما حدده البنك الدولي كمؤشر للفقر – كما تؤكد بعض المؤشرات أن ثلث السكان فى البلدان النامية يعيشون فى فقر مطلق Absolute Poverty  .

      ومن معالم الفقر محلياً فى مصر تشير التقارير والمصادر المتاحة إلى أن نسبة الفقر إلى إجمالى السكان فى مصر تصل إلى 34 % عام 1990 – 1991 م ، فى الحضر منهم 39.6 % وتنخفض فى الريف بنسبة 31.6 % من إجمالى السكان حسب ما جاء فى تقرير برنامج الأمم المتحدة  الإنمائى الدولى لعام 1994م.

      وفى تقدير آخر لمستوى الفقر فى الفترة من عام 1991 إلى عام 1996 يشير إلى أن نسبة الفقر قد ارتفعت لتصل إلى 44 % وأن مستوى معيشة السكان فى مصر تدهور منذ بداية تطبيق برامج إعادة التكيف الهيكلى حيث أدى إلى إفقار السكان خاصة فى الريف .

      كما أن الفقر لا يعنى فقط فقر الدخل – من وجهة نظر تقرير التنمية البشرية – ولكنه ينسحب إلى الحرمان من الإختيارات وتحجيم الفرص المتاحة لأن يعيش الفرد حياة كريمة ، وهذا ما يعبر عنه مصطلح   "" فقر القدرة "" Poverty of Ability أى تدنى مستويات قدرات الإنسان إلى الحد الذى يمنعه من العطاء والمشاركة فى التغيير والإصلاح ويندرج تحت مفهوم الفقر أبعاد تتناول مستويات الصحة والتعليم والبيئة التى يعيش فيها الإنسان(3)

 

 

ـــــــــــ

  أنظر الموقع  : http://www.diwanalarab.com/spip.php?article11024        

2 - توماس بوج : الفقر العالمى وحقوق الإنسان ، عرض وتحليل نقدى أحمد مجدى حجازى المجلة الإجتماعية القومية المجلد الأربعون ، المركز القومى للبحوث الإجتماعية والجنائية، سبتمبر 2003، ص 151 .

3 -  معهد التخطيط القومى ، تقرير التنمية البشرية عام 1997 صـ 62 .

  لقد تبين فى الواقع أنه برغم كل الجهود المبذولة على مستوى القرية الكونية التى تدعى البحث عن التخفيف من حدة الفقر وخاصة فى الدول غير الرأسمالية ومحاولة نقل هذه الدول إلى مجتمعات أكثر حداثة برغم ذلك فإن النتائج العملية لم تكن مرضية إلى حد بعيد، فهى لم تساعد على الحد من الفقر أو تقليل أعداد الفقراء(1).

ليس هذا فحسب وإنما ألزمت أيضاً ظاهرة استمرار الفقر فى العالم وبالأخص الدول غير الرأسمالية البنك الدولى بأن يتخلى عن واحدة من أهم مسلمات الليبرالية وهو ما يسمى ""مفعول التساقط "" Trickling down alleviation  ، ومقتضاه أن تزايد الإستثمار وخلق فرص عمل بحيث تنحصر البطالة وما يترتب عليها من فقر ، بالإضافة إلى حدوث تحول فى الرأى العام الأوروبى والأمريكى يرى أن فساد حكومات العالم الثالث أضاع المليارات الكثيرة فيما لم ينفع الفئات الفقيرة فى شئ ، كما أن تزايد البطالة وانتشار الفقر بين شعوب الدول المانحة يدعم أن من الأفضل مساعدة  الفقراء فى الداخل قبل فقراء الخارج (2) .  

وفى ظل كل تلك التغيرات والتحولات حدثت أيضاً تحولات وتغيرات فى السياسات التى تتخذها المنظمات غير الحكومية ( الأهلية ) حتى تستطيع من خلال السياسات تفعيل دورها إلى الحد من ظاهرة الفقر والإنتقال بالفقراء من مجرد المساعدات الاجتماعية التى كانت تقدم لهم إلى مرحلة جديدة تعتمد على التمكينEmpowerment  والمشاركة والتفاعل ومن مجرد مستهلكين وعائلين على التنمية إلى المشاركة الإقتصادية الفعالة (3) .

      وإذا حاولنا التعرف على المنظمات الأهلية أو تنظيمات المجتمع المدنى برؤية تاريخية نقول أنها نشأت فى الدول الغربية ؛ وأن الإرهاصات الأولى لمفهوم المجتمع المدنى Society  Civil تحدًّث عنها فلاسفة العقد الاجتماعى مثل  "" توماس هوبز"" و ""روسو"" و "" لوك "" فى القرن السابع عشر حتى النصف الأول من القرن الثامن عشر ؛ غير أنه مع بداية النصف الثانى من القرن الثامن عشر أضحى مفهوم المجتمع المدنى واحداً من المفاهيم الرئيسية التى تميز الفكر السياسى الأوروبى .

ولا يفوتنا أيضاً أن نقول أن مفهوم المجتمع المدنى قد تحدث عنه الكثيرون من المفكرين الاجتماعيين والفلاسفة مثل ""هيجل ،وكارل ماركس ،وأنطونيو غرامشى"" وغيرهم بشكل أكثر تحديداً ووضوحاً من فلاسفة العقد الإجتماعى Social contract ،غير أن مفهوم المجتمع المدنى قد انحسر استخدامه بعد ""غرامشى"" فى الأوساط العلمية والأكاديمية ، ثم مالبث أن ظهر بقوة فى أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات(4).

وإذا أردنا أن نصنف أهم المنظمات الأهلية ذات النشاط فيما وراء الحدود القومية تكون على الوجه التالى :

1 -  جمعيات فعل الخير : مثل جمعية Care وأطباء بلا حدود و جمعية Oxfam البريطانية .

ــــــــــــ

1 -  توماس بوج :  مرجع سبق ذكره صـ 151 .

2 -  إسماعيل صبرى عبد الله :  الفقر والتبعية والتهميش فى وتوصيف الأوضاع العالمية المعاصرة أوراق مصر 2020 مكتب الشرق الأوسط العدد 3 يناير 1999 صـ 52 ، 55 .

3 -  على ليلة : دور المنظمات الأهلية فى مكافحة الفقر الشبكة العربية للمنظمات الأهلية .

4 -  أحمد حسين :  الإرهاصات الفلسفية والمعرفية لمفهوم المجتمع المدنى فى الفكر الغربى الحديث والمعاصر المجلة الإجتماعية المركز القومى للبحوث المجلد 41 العدد الأول يناير 2004 ص 57 – 69  0

2 -  منظمات حقوق الإنسان : مثل منظمة "" العفو الدولية "" التى تركز جهودها للدفاع عن المسجونين السياسيين أياً كانت آراؤهم السياسية .

3 -  حركات السلام ونزع السلاح النووى :  مثل حركة "" السلام الأخضر "" Green Peace 0

4 -   جمعيات حماية البيئة .

5 -  الحركات النسائية :  مثل جمعية الدفاع عن حقوق المرأة (1) .

*  أما على المستوى المحلى المصرى ، فيعود تأسيس أول منظمة أهلية فى مصر إلى الربع الأول من القرن التاسع عشر وتحديداً عام 1821م حين تأسست الجمعية اليونانية بالإسكندرية لرعاية مصالح الجالية اليونانية بالإسكندرية ، وفى عام 1951 م تأسست سلسلة من الجمعيات الثقافية المهمة التى لعبت دوراً هاماً فى تأصيل الثقافة والإنتماء لمصر مثل "" معهد مصر "" للبحث فى تاريخ الحضارة المصرية وجمعية المعارف 1868 م والجمعية الجغرافية ثم تولى تأسيس الجمعيات الخيرية الإسلامية والقبطية (2) .

            وترى "" أمانى قنديل "" أن هناك ثلاثة عوامل تفسر النشأة المبكرة للجمعيات الأهلية فى مصر :-

1 -  انتشار نفوذ الجاليات الأجنبية .      

 2 -  انتشار النفوذ الأجنبى الإستعمارى .    

            وإزاء هذه العوامل بدت الجمعيات الأهلية "" آليات دفاعية "" ضد التغلغل الأجنبى وآليات للإصلاح الاجتماعى  فى مواجهة تردى الأوضاع الإقتصادية والاجتماعية للمصريين .

-  واقع الجمعيات الأهلية فى مصر :-  ( رؤية تاريخية )

-    فى النصف الأول من القرن العشرين حدث تطور كبير كماً وكيفاً فى الجمعيات الأهلية ، وتسجل البيانات إنه فى عام1900 م كان هناك 65 جمعية أهلية ، وفىعام 1950م كان هناك 1308جمعية أهلية .

-    وبحلول ثورة 1952 م اتجهت الحكومة للإعتماد على الحزب الواحد وقمع الحريات وتم حل الكثير من الجمعيات الأهلية وقد تركز نشاط هذه الجمعيات فى تلك الفترة على الرعاية Welfare وتقديم الخدمات ومع مطلع  عام 1970 م بلغ عددها حوالى 4000 جمعية أهلية .

-    وفى فترة السبعينيات : تم تبنى سياسة التعددية الحزبية والتحول الديمقراطى بالإضافة إلى الانفتاح الاقتصادى وتحريرالاقتصاد وهكذا بلغ عددها عام1976م إلى7593 جمعية وعام2001م حوالى16000ألف جمعية أهلية (3)  .

 

 

ـــــــــــ  

1 -  إسماعيل صبرى عبد الله :  المنظمات الأهلية متعددة الجنسية (فى) توصيف الأوضاع العالمية مرجع سابق ذكره ص 38 ، 39 0

2- أمانى قنديل: الجمعيات الأهلية فى مصر ، مقدمة خلفية تاريخية ، المجلة الإجتماعية ، المركز القومى للبحوث الإجتماعية والجنائية القاهرة ، ص 155 .

3- صامويل هاتنجتون : الموجه الثالثة التحول الديمقراطى فى أواخر القرن العشرين ، ترجمة عبد الوهاب علوب، دار سعد الصباح ، مركز أبن خلدون للدراسات الإنمائية ، القاهرة 1993 ص 72 0

4- إبراهيم البيومى : الحركات الإجتماعية فى مطلع الألفية الثالثة بين إشكاليات التنظير وتحديات العولمة والتغيير المجلة الإجتماعية القومية مجلد 40 العدد 3 سبتمبر 2003 صـ 95 .

    إن فعاليات مواجهة الفقر فى الفترة الراهنة تمثل أحد ملامح تطور الجمعيات الأهلية فى مصر منذ منتصف السبعينيات على وجه الخصوص حيث كان الاهتمام بالفئات المحرومة الفقيرة التى تقف خارج النظام الاقتصادى أو التى تقبع فى ذيل التنمية وأسفل السلم الاجتماعى بحكم موقعهم من العملية الإنتاجية(1). من خلال أساليب التمكين وليس الرعاية فقط ، فالمجتمع المدنى الصحيح هو الذى يحمى الفرد من القوة الطاغية التى تملكها الدولة كما يقرر ""جيدنجز""(2).

وإذا كان التمكين هو أحد أهم الوسائل التى يمكن من خلالها مواجهة الفقر وتلبية الاحتياجات الأساسية للكثير من الفقراء ، فإنه توجد أيضاً آليات أخرى ومنها :

1 -  التدريب وتنمية المهارات لمواكبة سوق العمل مثل التدريب فى مجال الكمبيوتر حتى يستطيع غير العاملين مساعدة أنفسهم ، ودفع عجلة التنمية والحد من الفقر خاصة فى الفترة القادمة .

2 -  تشجيع العمل المنتج والصناعات الصغيرة، ومن هذه الجمعيات "" ريفى "" والتى تقوى وتدعم المشروعات الصغيرة التى تدر دخلاً يمكن إستثماره فى توسيع المشروعات أى الأخذ بسياسة الاعتماد على الذات والمشاركة الإيجابية.

 

3 -  تفعيل القروض القصيرة والطويلة الأجل ؛ حيث تقدم جمعيات التنمية قروضاً – بناءاً على طلب يقدمه الشخص – بنسبة فائدة بسيطة جداً للأفراد ليقوموا بإستثمارها فى مشروعاتهم الخاصة التى يرغبون فيها مثل : مشروعات شباب الخريجين ، وتمثل جمعية "" تنمية المجتمع المحلى ، كاريتاس "" مثالاً على هذه الجمعيات.


انشء في: خميس 13 يوليو 2017 15:23
Category:
مشاركة عبر